في الوقت الذي أحدث فيه "المؤتمر الوطني الأول" الذي دشنته
المعارضة المصرية في الخارج بمدينة لاهاي بهولندا، 16 أيلول/سبتمبر الجاري، قلقا واسعا لدى النظام المصري الحاكم، دعا سياسيون ونشطاء إلى تدشين مؤتمر مماثل لمعارضة الداخل، لعرض الأفكار والرؤى والخطط والحلول لأزمات الدولة المصرية بكافة المجالات بصورة مماثلة لطرح معارضة الخارج.
الدعوات التي أطلق إحداها الناشط والباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، قوبلت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بترحيب واسع، قابله تشكيك في منح السلطات معارضي الداخل تصريح بحشد مماثل، ليذهب البعض حد إطلاق تحذيرات من موجة تعامل أمني غليظ استكمالا لما تقوم به السلطات منذ العام 2013، مع المعارضة من اعتقالات وغلق للمجال العام ومنع أي نشاط سياسي أو حراك شعبي.
ويمنع القانون رقم (107 لسنة 2013)، والمعروف بـ"قانون التظاهر"، والتعديل الصادر بالقانون رقم (14 لسنة 2017)، الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية في مصر إلا بتصريح من السلطات الأمنية، وهو الأمر الذي جرى رفضه مرارا، وتم توقيف الآلاف على خلفية هذا القانون.
وفي ظل تقديرات لإجمالي الدين العام (محلي وخارجي) في حدود 18.5 تريليون جنيه (نحو 360 مليار دولار)، يطالب مصريون النخبة السياسية والمعارضة في الداخل والخارج بأن يكون لديهم خططا لجدولة وتخفيض الدين، وآليات لكبح معدلات التضخم، وتوفير فرص عمل تحد من البطالة، وزيادة الحد الأدنى للأجور، وتحديد فترة زمنية للإصلاح الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة.
إلى جانب تساؤلات من قبيل: من سيتولى الحكم ووسائل انتقال السلطة، ووضع المؤسسة العسكرية، والأجهزة الأمنية، والتصرف حيال الانتهاكات الإسرائيلية، وكيفية إدارة ملفات الخليج، وإيران، وأمن البحر الأحمر وملف السد الإثيوبي؟.
اظهار أخبار متعلقة
سياسيون مصريون تحدثوا إلى "عربي21"، حول أهمية فكرة مؤتمر الداخل، وإمكانية توافق المعارضة عليه، وما في جعبة رموزها وأحزابها وتياراتها من اليساريين والليبراليين من أفكار ورؤى، كاشفين عن رؤيتهم حول عدم سماح النظام بتمرير مثل هذا المؤتمر ولو ردا منه على مؤتمر الخارج ولإثبات دور ووجود معارضة الداخل، مؤكدين أن هذا الباب مغلق لديه وأنه سيرد عبر المؤتمر الذي يجهزه حول إنجازات الحكومة.
معارضة عاجزة ونظام متكبر
وقال المفكر والباحث والسياسي اليساري الدكتور مصطفى الجمال، لـ"عربي21": "أولا: لا يمكن أن تتفق المعارضة المصرية على موقف واحد؛ ففيها الليبرالي، والقومي، واليساري، والإسلامي".
الأكاديمي المصري أضاف: "وثانيا: لا أظن أن النظام سيسمح بهكذا مؤتمر، ومن السهل تشويهه بسبب اختلافات المعارضة"، مبينا أن "الأصل هو أن يطرح كل طرف تصوراته أولا، لنقد الحاضر، واقتراحات المستقبل، ثم يتم البحث عن وسيلة للجبهات فيما بين أطراف المعارضة".
وفي إجابته على السؤال: "هل يقود خلاف تيارات المعارضة إلى التسليم التام منها بالوضع القائم؟ وما الحل كي تتوافق أولا عن نقاط عامة لإحداث التغيير السلمي؟، عبر الجمال عن أسفه من أن "كل أحزاب المعارضة تمر بانقسامات علنية ومكتومة، وعاجزة لأسباب موضوعية وذاتية عن الوصول للجمهور، فأصبح الغضب الشعبي غير منظم وغير فعال، اللهم إلا إذا وقعت انفجارات غير محسوبة".
وحول تأزم وضع النخبة وعجزها عن مواجهة أخطاء الحكومة، أكد أن "العجز هو عنوان المعارضة، والتكبر عنوان نظام الحكم".
وفي السياق، كال البعض الاتهامات للمعارضة، مستنكرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، انتظارها إذن الحكومة، مؤكدين أن "هذه الأشياء تنتزع ولا تُهب"، فيما ذهبوا للتخوف مما قد يحدث من خلاف بين أطراف المعارضة بداية من جدول الأعمال، وخاصة في ظل عدم وجود قيادة وطنية حزبية معارضة يتفق عليها الشارع باختلافاته الفكرية وتوجهاته السياسية، وغياب دور الأحزاب في طرح برامج موازية وحلول لأزمات الدولة.
وأكدوا أن رئيس النظام عبدالفتاح
السيسي، لا يحتاج المعارضة للرد على ما جاء بـ"المؤتمر الوطني الأول" لمعارضة الخارج من انتقادات حقوقية واقتصادية وسياسات عامة، وأنه كلف رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، لتنظيم المؤتمر الوطني بالنصف الثاني من تشرين الأول/أكتوبر المقبل، لعرض إنجازات 13 عاما.
"سيُترك ليُدفن"
وعن الدعوة لعقد مؤتمر لمعارضة الداخل، تعتقد الكاتبة الصحفية مي عزام، أن "مثل هذا الطرح سيكون تكرار للحوار الوطني الذي كان السيد ضياء رشوان –وزير الدولة للإعلام الحالي- أمينا له وانطلق في أيار/مايو 2023، فهو كان يمثل تيارات كثيرة ومنها المعارضة المستأنسة والتي سُمح لها بالمشاركة في العرس الانتخابي".
وفي حديثها لـ"عربي21"، أضافت "ولذلك لا أعتقد أن مثل هذا المؤتمر سيخرج بتوصيات قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، لأنها ببساطة لا تملك أدوات تنفيذ أو تأثير أو ضغط، كما أنها بالفعل ليس لديها ظهير شعبي معتبر يمكن الاعتماد عليه".
اظهار أخبار متعلقة
وحول الموقف الحكومي المحتمل من مثل هذه الدعوة لهذا المؤتمر، ترى عزام، أنه "سيُترك ليُدفن وحده دون تدخل أو بتدخل بشكل غير مباشر عبر التوجيه الإعلامي"، ملمحة إلى أن "رد الحكومة على مؤتمر الخارج بعقد مؤتمر يُظهر الإنجازات أمر يحدث طوال الوقت عبر الإعلام والكتب التي تصدر لتوثيق الإنجازات والخطابات الموجهة للشارع".
وخلصت للقول: "لا يمكنني الجزم برد فعل الحكومة خلال الفترة القادمة، والتي يُشاع عنها أنها ستكون صعبة".
ماذا يقول المصريون؟
وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، جاءت تعليقات مصريين غير متفائلة ومؤكدة على عدم سماح النظام المصري بمؤتمر للمعارضة، مذكرين باعتداء البلطجية على حفل إفطار "الحركة المدنية الديمقراطية" 5 حزيران/يونيو 2018، في النادي السويسري بالقاهرة.
بعض الحديث انتحى جانب السخرية، بالقول: "مرحبا بالمعارضة من الداخل"، و"عندنا أماكن فارغة في الزنازين نحتاج إلى تسكينها"، و"للأسف لا ينفع لأن قاعة المؤتمرات في سجن طرة أغلقت".
وفي حين أكد متابعون على ضرورة الحديث عبر الوسائل السيبرانية، تجنبا للبطش الأمني والاعتقال المتعسف، توقع آخرون أن تسمح السلطات بمثل هذا المؤتمر لعمل "حصر على أرض الواقع لقوى المعارضة"، ثم تقوم بـ"تكيف قضية لهم وتوجيه اتهامات بقلب نظام الحكم وتقدمهم للجماهير على أنهم خونة وعملاء".
وألمحوا إلى ما طال معارضة الخارج من اتهامات عبر وسائل الإعلام الموالية للنظام، والتي وصفها الناشط أدهم حسانين، بأنها "حملة ممنهجة رسمت للمؤتمر صورة (المؤامرة)، ووصفت القائمين عليه بأوصاف قاسية، واتهمتهم بالعمالة والتنفيذ لأجندات خارجية، بل ووصل الأمر إلى حدّ خلط متناقض: اتهامهم بالعمل لإيران وإسرائيل في آن واحد".
ولفت حسانين، في مقاله بـ"عربي21"، إلى أن "النظام يخاف من فكرة (التغيير الممكن) وليس من المؤتمر فقط، مبينا أنه "عندما يظهر تجمع معارض يطرح برامج، وأسماء، وخططا للإصلاح السياسي والاقتصادي والعدالة الانتقالية، فإنه يحوّل المعارضة من (صراخ في الفراغ) إلى منافسة على البديل".
القاهرة ومؤتمر الخارج
وكشف تصريح للسيسي، بعد يوم واحد من مؤتمر معارضة الخارج المذاع على الهواء عن انزعاجه التام، حيث قال من الأكاديمية العسكرية 17 أيلول/سبتمبر الجاري، إن محاولات إسقاط الدولة لم تنتهِ بعد، وأن مؤسسات الدولة على درجة عالية من الوعي واليقظة لحماية الأمن القومي، وأن المسؤولية الكبرى في حماية الوطن تقع على عاتق كل أسرة مصرية.
وهو الخطاب الذي تلقفه الإعلام الموالي، حيث وجه المذيع بفضائية "إم بي سي مصر" السعودية، عمرو أديب، والمذيع بفضائية "تن" الممولة من الإمارات، رسائل تهديد إلى الشارع المصري، وتحذيرات من أوضاع اقتصادية صعبة وأخبار اقتصادية مقلقة، ومطالبة بـ"شد الحزام"، وأقوال مثيرة للمخاوف مثل: "الأمور لا تبشر بأمور جيدة"، و"ربنا يستر ونسأل الله السلامة مما هو قادم".
وفي حين أرجع أديب، والديهي، حديثهما إلى الأحداث الإقليمية الجارية وحرب إيران، يرى معارضون أن تلك التهديدات تحمل تحذيرا مبطنا للمصريين من أي تحرك بمواجهة النظام، مع تمهيد الشارع لارتفاعات جديدة في ملف الوقود.
4 نداءات للسيسي
وفي المقابل، وإزاء حديث رأس السلطة عن ضرورة اصطفاف المصريين وراء نظام حكمه؛ وجه دبلوماسي، وكاتب، وصحفية، ومعارض، 4 نداءات تطالب السيسي، باتخاذ إجراءات الإصلاح والمصالحة الوطنية بشكل عاجل.
الدبلوماسي المصري فوزي العشماوي، دعا السيسي، بدلا من التحذير من استمرار محاولات إسقاط الدولة، بأن يركز على إحياء السياسة، وإحداث حراك حقيقي نحو الديمقراطية، وتحول المؤسسة العسكرية كضامن للدستور، وتنفيذ إرادة الناخب والمجتمع وتداول السلطة، والبدء بخطوات تدريجية مثل مراجعة ملف المحبوسين السياسيين، وإجراء انتخابات محلية، واختيار نائبا للرئيس.
وقال الكاتب عمار علي حسن: "لا أحد ينكر تأثير ما يجري في الخارج على الداخل، لكن في مصر مبالغة، وهروب من المسؤولية بتحميل الأزمات الدولية كل أسباب المشكلات، وحين لا تكون هناك أزمة في الإقليم أو العالم يتهمون الشعب بأنه السبب"، موضحا أن "المشكلة في مصر أن السياسات الاقتصادية على مدار 10 سنوات أفقدت اقتصادنا مناعته".
وطالبت الصحفية مي عزام، عبر صفحتها بـ"فيسبوك"، الحكومة "الاعتراف بالخطأ في ترتيب أولويات المشاريع"، و"خفض الإنفاق الحكومي"، و"تخارج الجيش من الاقتصاد"، و"محاربة الفساد"، و"رفع الإعفاء الضريبي"، و"إعطاء مساحة لحرية التعبير و"احترام القانون والدستور"، وعدم تغيير الدستور لمد فترة الرئاسة بعد 2030.
اظهار أخبار متعلقة
وفي ظل رفض السلطات المصرية دعوات أطلقها سياسيون مقربون منه ومعارضون في الداخل والخارج لإنهاء الأزمة السياسية الحالية مع ما يواجهه إقليم الشرق الأوسط من أزمات اقتصادية وأمنية في ظل الحرب الأمريكية على إيران، قال الصحفي المصري سمير العركي: "اليوم تحتاج مصر أكثر من أي وقت مضى إلى تحكيم صوت العقل بحثا عن حل للأزمة القائمة".
وفي حين حذر العركي، من "سيناريوهات محتملة مرعبة ومقلقة، وأن دول المنطقة قد تتعرض لاهتزازات عنيفة، قد تؤدي إلى تفكك بعضها واختفائه نهائيا كدولة مستقلة"، أكد أنه "من هنا تحتاج المعارضة المصرية والسلطة الحاكمة في القاهرة إلى تدشين حوار جاد للوصول إلى كلمة سواء لحل الأزمة الراهنة".
أوضاع هشة وأزمات متصاعدة
وتأتي دعوات تدشين مؤتمر وطني بالداخل أو دعوات المصالحة الوطنية، في ظل غضب شعبي متصاعد تكشف عنه مقاطع فيديو مصورة تحمل شكاوى المصريين من الجوع، والفقر، والبطالة، والبطش الأمني، وتنتقد السياسات الحكومية.
ووفق مشاهدات "عربي21"، ففي كل شارع بمدينة أو قرية، حي راقي أو شعبي، تبدو معاناة المصريين مع غلاء الطعام والدواء والمواصلات والكهرباء والمياه والبنزين والسولار والاتصالات، المتواصل منذ العام 2016 مع تحرير سعر صرف العملة المحلية الذي تكرر 4 مرات فأوصل الجنيه من معدل 7 جنيهات إلى 50 جنيها في 10 سنوات، ما أدى إلى تآكل الطبقة المتوسطة وارتفاع معدلات الفقر لتطال نحو ثلثي المصريين.
وذلك إلى جانب تفجر أزمة الدين الخارجي الذي يتعدى 164 مليار دولار، نتيجة سياسات حكومية بتدشين مشروعات العاصمة الإدارية الجديدة وما يرتبط بها من مشروعات النقل بقروض وتمويل خارجي، وما تبع ذلك من تفريط في الأصول الحكومية والشركات العامة والأراضي الاستراتيجية لسداد فوائد وأقساط تلك الديون، ما قابله اتساع إمبراطورية الجيش الاقتصادية، وزيادة عدد الأثرياء بين المقربين من هرم السلطة.